محمد بن جرير الطبري
121
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
والوجه الآخر منهما : ثم تسميتي اللهَ عليكما ، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه : " اسم الله عليك " يعوِّذه بذلك من السوء ، فكأنه قال : ثم اسمُ الله عليكما من السوء ، وكأنّ الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد . ( 1 ) ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أنّ معناه : ثم السلام عليكما ، أترَى ما قلنا - من هذين الوجهين - جائزًا ، أو أحدهما ، أو غيرَ ما قلتَ فيه ؟ فإن قال : لا ! أبان مقدارَه من العلم بتصاريف وُجوه كلام العرب ، وأغنى خصمه عن مناظرته . وإن قال : بَلَى ! قيل له : فما برهانك على صحة ما ادَّعيت من التأويل أنه الصوابُ ، دون الذي ذكرتَ أنه محتملُه - من الوجه الذي يلزمنا تسلميه لك ؟ ولا سبيل إلى ذلك . وأما الخبر الذي : - 140 - حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك [ وهو يلقب بزبريق ] قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود - ومِسْعَرِ بن كِدَام ، عن عطية ، عن أبي سعيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمُّه إلى الكتَّاب ليعلِّمه ، فقال له المعلم : اكتب " بسم " فقال له عيسى : وما " بسم " ؟ فقال له المعلم : ما أدري ! فقال عيسى : الباء بهاءُ الله ، والسين : سناؤه ، والميم : مملكته . ( 2 )
--> ( 1 ) الأول بغير شك أولى الأقوال بالصواب . فإنه كان قد أمر ابنتيه - كما قدمنا في أبياته السالفة ، أن تقوما لتنوحا عليه بما أمرهما من ندبه وتأبينه ورثائه ، وأن تفعلا ذلك منذ يموت إلى أن يحول عليه الحول ، فلا معنى بعد أن يلقي السلام عليهما ، أي تحية المفارق ، بعد الحول ، فقد فارقهما منذ حول كامل . وأولى به أن يدعو لهما ، أو يستكفهما عما أمرهما به ، إذ قضتا ما أمرهما على الوجه الذي أحب ، " ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر " ، كأنه قال : كفا عندئذ عما أمرتكما ، فإن من بكى حولا فقد بلغ أقصى ما يسعه العذر . فسياق الشعر يقطع بترجيح ما ذهب إليه الطبري عامة ، وإلى الجزم بأن معنى " ثم اسم السلام عليكما " هو : الزما ذكر الله ، ودعا ذكرى ، والبكاء علي ، والوجد بي . ( 2 ) الحديث 140 - هذا حديث موضوع ، لا أصل له . وهو أطول من هذا ، وسيأتي بعضه برقمي 145 ، 147 ، فصل الطبري كل قسم منه في موضعه ، وفيه زيادة أخرى ، في تفسير كلمات " أبجد هوز " . إلخ . رواه بطوله ابن حبان الحافظ ، في كتاب المجروحين ، في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبد الله التيمي ، رقم : 44 ص 85 ، وقال في إسماعيل هذا : " كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات ، وما لا أصل له عن الأثبات ، لا تحل الرواية عنه ، ولا الاحتجاج به بحال " . ثم ضرب مثلا من أكاذيبه ، فروى الحديث بطوله ، عن محمد بن يحيى بن رزين العطار عن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك ، بالإسناد الثاني الذي هنا ، من حديث أبي سعيد الخدري . وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 35 نقلا عن ابن مردويه ، من حديث أبي سعيد وحده ، جمع فيه الأقسام الثلاثة التي فرقت هنا . ثم أشار إلى رواية الطبري إياه . ثم قال : " وهذا غريب جدا ، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات " ! وما أدري كيف فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب ، فتسقط روايته بمرة ، ولا يحتاج إلى هذا التردد . وأما السيوطي ، فقد ذكره في الدر المنثور 1 : 8 ، ونسبه لابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق والثعلبي ، ولم يغفل عن علته ؛ فذكر أنه " بسند ضعيف جدا " . وترجم الذهبي في الميزان 1 : 117 ، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان 1 : 441 - 442 لإسماعيل بن يحيى هذا ، وفي ترجمته : " قال صالح بن محمد جزرة : كان يضع الحديث . وقال الأزدي : ركن من أركان الكذب ، لا تحل الرواية عنه . . . وقال أبو علي النيسابوري الحافظ والدارقطني والحاكم : كذاب " . وقال ابن حجر : " مجمع على تركه " . وذكر هو والذهبي هذا الحديث مثالا من أكاذيبه . ثم إن إسناده الأول ، الذي رواه إسماعيل بن يحيى عن أبي مليكة ، فيه أيضًا راو مجهول ، وهو " من حدثه عن ابن مسعود " . وإسناده الثاني ، الذي رواه إسماعيل هذا عن مسعر بن كدام ، فيه أيضًا " عطية بن سعد بن جنادة العوفي " ، وهو ضعيف ، ضعفه أحمد وأبو حاتم وغيرهما . والزيادة بين قوسين ، في لقب إبراهيم بن العلاء من المخطوطة . و " زبريق " : بكسر الزاي والراء بينهما ياء موحدة ساكنة . وهو لقب إبراهيم ، فيما قيل . والصحيح أنه لقب أبيه ، فقد قال البخاري في ترجمته في الكبير 1 / 1 / 307 : " زعم إبراهيم أن أباه كان يدعى زبريق " . وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 121 : " إبراهيم بن العلاء . . . يعرف بابن الزبريق " .